يلومني الصارم الحاسم لاقلالي من الكتابة..الواقع انني كلما أردت التدوين رفعت يداي وقلبتهما، ماذا يجدر بي أن أكتب؟
الواقع أن كثيرا مما يؤرقني ويشغل دماغي من أمور تصلح للصراخ، وليس للحديث بلغة تعودتها في السابق، كأنني انتقلت فجأة إلى عالم آخر فصرت أنظر إليه مشدوها لا أقدر على الكلام!
كل ما أرى جديد عليّ!
كل ما أرى لم أكن أتخيله في يوم من الأيام..لم أعد قادرا على استيعاب ما أرى وإن فهمته..لم أعد قادرا على التعامل معه كأمر واقع!
بالمناسبة، أنا لا أتكلم عن أحوال غزة وفلسطين مثلا، رغم كل ما على هذا الصعيد من عجائب، ورغم أنني لم أتخيل أبدا سفور الباطل و(صبيان العوالم) بهذه الوقاحة غير المسبوقة مؤخرا، لكنني حقيقة أصبحت أحار بين أن أتكلم في هذا الشأن، أو أن أتكلم في غيره..هل تبقى ما يقال؟..
على أي صعيد أو مستوى؟..
كنت أود الحديث عن الحالة المصرية، من منظور شخص مغترب، وكيف تؤثر الأوضاع داخل مصر على المصريين في الخارج، إذ يظن كثيرون -كما ظننت يوما- بأن الخروج من مصر هو بمثابة المهرب، وأنك إذا خرجت فأنت قادر على استئناف حياتك كما تشاء دون أن تلاحقك مآس صنعها غيرك وشاركت في صنعها من قبل، ولو بصمتك وسكوتك، داخل بلدك..
وعلى ذكر الساكتين، فأنا لا أود القسوة عليهم كثيرا في وجود صبيان العوالم وأذيال الطواغيت، فإن كان الساكت عن الحق هو شيطان أخرس، فلتعلموا أن الشياطين قد اعتزلت وتابت منذ رأت الطواغيت وأذنابها في الساحة..الحقيقة أن الحديث عن الحالة المصرية أصبح بمثابة الحديث عن حالك، وحياتك، نوع من الشكوى ربما..أو هو بالنسبة لما يعتمل في تخيلي، هو ضرب من العراك..
وسط كل هذا قد ينتظر البعض عالما كالعز بن عبدالسلام إذ كانت الفتوى في عهده أمرا جللا تهتز له عروش وتزال له ممالك، تسير خلفه جموع الناس، ما جاءت توافق إيمانهم وادراكهم وتراعي مصالح دينهم ودنياهم..لكنهم يغفلون عن نوعيات من الناس تصدوا للفتيا مؤخرا، فتوى وراء فتوى حتى ضاعت هيبة ذلك الأمر، وما عاد له من مردود عملي!
انني حقيقة لا أود اعطاء كل حدث أكبر من حجمه، لا يعجبني ذلك العبث بأزرار الاعلام، فقد صرنا كأننا أمة تتحرك على وقع الأزرار..فضغطة زر تجعل حديث الشارع عن منتخب مصر، وضغطة أخرى تحوله للحديث عن سيادة مصر (أمام الفلسطينيين وحدهم بالطبع)، وضغطة أخرى تحول النظر إلى الدانمارك، وضغطة أخرى تحول النظر إلى الحضري، وضغطة أخرى تحول الأنظار إلى شخص معروف الدوافع كما هي معروفة غاياته يطلق الفتاوى المستفزة، لنبقى في دوامة الجدل غير ذي الطائل!
عندما يكثر الكلام، يحسن بنا الصمت!..فكثرة الكلام وتكراره أدعى لابتذال قولك..ففي النهاية يرص كلامك إلى جوار كل الغثاء الذي ملأ السماء!..وكما يقول أهل التجارة، وفرة الانتاج تسبب انخفاض القيمة!
انتهى الدرس وصار مطلوبا منك أن تدرسه!..أن تلخصه كأي طالب مجتهد لتفهمه وتحفظه..
- الإنسان: كائن خلقه الله تعالى وكرّمه، وقدّر عليه أن يعيش على هذه الأرض، وأعطاه العقلَ وأمره بإعمارِ الأرضِ، وشكرِهِ على ما أنعمَ به عليه..
لهذا الإنسان حقوق أساسية، عليه أن يرعاها لنفسه وغيره من البشر على السواء وإلا تجرد من آدميتهِ وأصبح كالأنعام بل أضل..
- الدولة: هيئةٌ أنشأها الناس لتمثيلهم ورعاية مصالحهم، في نظامٍ يضمنُ حياة أفضل وأسهل..فهي وسيلةٌ لتوفير حقوق الانسان، للإنسان الذي شارك في انشائها واختار أعضاء حكومتها..وهي وسيلة أيضا للتعاملِ مع الشعوبِ الأخرى عن طريق حكومات دولها المنتخبة أو المرتضاة بأي طريقة كانت، على أساس من التعاون على رفاهيةِ وتقدمِ كافةِ الشعوبِ، والاحترام المتبادل بينهم دون استعلاء طرفٍ على طرف، أو احتلالِ أو استغلالِ طرفٍ لطرف..
- سيادة الدولة: صلاحية ممنوحة للدولة بغرض توفير امكانية العمل لها في سبيل تحقيق أهدافها سابقة الذكر..
- القانون الدولي: وضع لتنظيم العلاقات بين الدول والشعوب المختلفة (في الأصل) كيلا يعدو شعبٌ على شعب، وبغرض توفير الحياةِ الكريمةِ الهادئةِ الهانئةِ الوادعة، للجميع..
- مما سبق نستنتج أن: الدولة وسيادتها وكل ملحقاتها انما هي (وسائل) لغاية واحدة في النهاية هو: الإنسان..فإذا ضيّع الإنسان، فتبا للدولةِ وللسيادةِ وكرامةِ الدولةِ وحكومةِ الدولةِ وكل ما يمثل الدولة..
إذا فهمنا ما سبق، فسوف نفهم أو نتصوّر مدى انحطاط وسفالة فكر كثير من القائمين على المنابر الاعلامية المختلفة -لا سيما الحكومي منها- في بلادنا العزيزة، وتجرُّدهم من كل ما يمت للانسانية بصلةٍ، حتى صاروا مسوخاً -هي أحط من الكلاب العقورة- في جلود البشر، فثلاثةٌ وثمانون قتيلاً من المرضى والأطفال كنتيجةٍ لحصارٍ جائرٍ على غزة لم تحرك لديهم كامنا، في حين تفجيرِ حدودٍ لم تكن إلا خطا رُسِم (ولم نرسمه نحن وإنما رُسِم لنا) على خريطة، مثّل لهم نهاية العالم بدعوى انتهاك سيادة الدولة وكرامتها، فهي عندهم أغلى من الانسان، ودفاع عفوي من الجائعين عن حقهم الطبيعي في شراء (وليس استجداء) طعامهم، صار تعديا على كرامة الدولة..تحولت الوسيلة إلى غاية، وصار التفكير سطحيا تافها ساذجا ضيّع الغايات وتمسك بالشكليات والقشور والوسائل، فتبا لدولتكم وتبا لحدودكم وتبا لكم ولفكركم الأحمق التافه الساقط المنحط..
إن هذا ليس غريباً على أبواقٍ ومنابرَ دأبت على التبريرِ والتهليلِ لدولةٍ ضيّعت مواطنيها الذين صنعوها ابتداءً، لكنه قد يكون غريباً على بعض من ادعوا المعارضةَ لهذه الدولة انحيازاً للإنسان، وعلى أي حال فأنا أعني بكلامي كل من اتخذ ذات الطريقة والنهج في تحويل كل وسيلةٍ ونظام وضعناهُ وصنعناهُ (نحن البشر) لسعادةِ الإنسان، إلى غاية أو وسيلة أخرى لشقائه وتعاسته وتجويعه وإذلاله وقهره وتركيعه، لمصالح شراذم من المسوخ التي أرادت أن تستعلي على الرقاب وأن تنهب ما لها وتستغل الشعوب وتمص دماءها..
انني لا أنادي في كتابِ المارينز وحظائر الخنازير نخوةً ولا عروبةً ولا إسلام، ولا أنادي فيهم إنسانية إذ علمنا أخيرا موضعهم منها، لكنني أقول لهم كفّوا روثكم عنا، فنحن بشر كرّمنا الله تعالى فلا نخلع ذلك التكريم عنا لأجلكم..ونحن نعلم أن الأصل هو الانسان، وأن أصنامكم، وحدود سايكس بيكو، ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، سبقَ وجودَها وجودُ هؤلاءِ الناس، ولا معنى لها أمام طفل جائع أو مريض يبحث عن علاج..