هواجس غريبة صارت تنتاب الدكتور مصطفى الفقي مؤخرا، من الواضح أن (التجربة الدمنهورية) قد أثرت كثيرا في نظرته للأمور، أظن أن ذلك واضح تماما لكل من يطلع على (إنتاجه الفكري) قبل وبعد دمنهور.
-1-
جريدة الحياة نشرت مقالا للدكتور يوم الثلاثاء 17 يوليو 2007، يدعي فيها حاجتنا إلى (أتاتورك عربي) لنقل بلادنا من التخلف إلى الحداثة، إذ يرى الدكتور سبب التخلف هو ما أسماه بجدليات الأصالة والمعاصرة، والسياسة والدين. أتساءل، يا دكتور: أين التفكير العلمي؟
هذه الجدليات هل غابت يوما؟..وهل عدمت أكثر الأمم تقدما وحرية أحزابا راديكالية وجدلا وتنافسا فكريا؟
أم أن وضع أيدينا على أسباب أزمة العرب وتخلفهم الحقيقية قد بات مؤلما لكم ومصدر إزعاج وقلق؟
هل صرت تجده مزعجا أن نقول كلمة حق: أن أكبر أسباب تخلفنا هو النفاق والفساد السياسي والإداري وتزييف إرادة الأمة وحكم الفرد؟
هذه كانت إحدى الفرضيات التي لم نجد لها ما يؤيدها، فكيف تتسبب الجدليات الفكرية والتنافس الحزبي الشريف في تخلف الأمة؟ هذا مالم يوضحه الدكتور أو يحاول توضيحه، وإنما قفز مباشرة ليبشر بنموذج ديكتاتوري من الدرجة الأولى، معتبرا إياه نقلة في تاريخ تركيا من التخلف والضعف إلى الحداثة، هو نموذج (مصطفى كمال أتاتورك)، هذا النموذج الذي يتبرأ منه حتى عقلاء العلمانيين باعتباره نموذجا قمعيا ضد حرية الفكر وضد التعددية، وباعتبار أن طرحهم للعلمانية يعتبر أنها ما هي إلا أسلوب ضمن أساليب متعددة تطرح على قدم المساواة مع الخيارات المختلفة ليختار الشعب إحداها، لكنها قد صارت نصيبا مفروضا حتميا لدى الدكتور، وصرنا بانتظار البطل الذي يقوم بفرضها على الشعب، حتى يصبح أيقونة من المحظور التطاول عليها أو التعرض لها بالنقد، وخطا أحمرا وحيدا في إبداء الرأي، تحت حكم عسكري مستتر، كما استشهد بحال تركيا!
هذا يجعلنا نتساءل عن ماهية الحداثة التي أراد الدكتور مصطفى أن يبشر بها؟!..حداثة الاقتصاد السقيم والسياسة المتخبطة واستجداء أوروبا والانقلابات العسكرية على الحكومات المنتخبة وإرهابها عسكريا وتأليه الرموز والجمود الفكري على العقد الثاني من القرن العشرين؟
إنه كان يجدر بالدكتور مصطفى أن يدعونا لأخذ العبرة والاتعاظ من التجربة التركية، لا أن يدعونا لتكرار التجربة!
-2-
ما أُتي به من حجج في مقال الدكتور كان يعطي القارئ إحساسا بأننا قد عدنا إلى ذات النقطة التي كنا عليها في أوائل التسعينيات، فالإسلام عند الدكتور هو مخزون روحي وفكري يجب أن نعتز به، لا أن نقحمه في الحياة اليومية، على حد قوله في مقاله!
فالاعتزاز بالمخزون الروحي والفكري عند الدكتور باختصار يتلخص في جعله مظهرا وشكلا وشعارا أجوفا وادعاء باللسان، أما الدنيا والعمل، فلا نصيب لها، ربما لأن العمل بما في هذا المخزون في نظره يظهر قصور الإسلام وعجزه، أنا لم أجد معنى غير هذا يمكن حمله على قول الدكتور: “أن نستمد منه ما يدفعنا للأمام لا ما يعيدنا إلى الوراء”، فهو يرى إذن أن هناك ما سوف يدفعنا قدما، من دعاوى وأقوال ومظاهر، وأن هناك ما يعيدنا إلى الوراء، إذا طبقنا الإسلام فعلا، عندها يتوقع الدكتور ظهور الكارثة، وظهور قصور الاسلام عن أن يكون شريعة يعيش بها أهله!
لكنني بعد هنيهة خطر في بالي خاطر آخر، ربما قصد الدكتور أن ادعاء الاسلام والتمسح به واتخاذ الشكل والصورة دون غيره يدفعنا للأمام، بالطبع إلى كراسي المجلس الموقر في ظل فتاوى علماء السلطان، أما العمل بالاسلام وتطبيق أوامره والانتهاء عن نواهيه هو ما يعيدنا إلى الوراء، إلى المعتقلات والمحاكم العسكرية، أو لتزييف إرادة الأمة إن كانت تتجه نحونا، أو إلى المشانق أحيانا!
فالإيمان عند الدكتور مصطفى هو أن تكون كالحمار يحمل أسفارا، هو مذهب الإرجاء من قبل، وقول العلمانيين حديثا، وذات المقولة التي طالما رددت في الاعلام في أوائل التسعينات، يعاد تكرارها اليوم -لعجبي ودهشتي- بشكل يبين أن بعض أصحاب الفكر إنما تجمدت أفكارهم على عهد باد ولم يعد الأمل في مواكبتهم لعالم اليوم كبيرا، فكل ما قد سبق الرد عليه من الفرضيات المختلفة التي ظهر ألا حقيقة ولا أصل لها، كانت مخزونه طول المقال، فعالمنا العربي اليوم يعيش (محنة الاختيار) بين الدولة الدينية والمدنية على حد قوله، والدولة المدنية عنده كما هو واضح من مقاله، هي دولة لا تعترف بتطبيق الدين على الأرض، ولو طبقت مفهومها جبرا ضد رغبة الشعب، كما هو الحال في تركيا، كما أن الدولة الدينية، ليست بالضرورة هي دولة تحكم بالحق الإلهي على غرار ما كانت عليه أوروبا العصور الوسطى، وإنما هي أي دولة تحاول إنفاذ تعاليم الدين ولو باختيار من الشعوب، ومهما كان نظامها أو حرية مواطنيها الذين يتسلل ممثليهم من أنصار هذا المفهوم إلى مقاعد السلطة تحت شعارات مختلفة، على حد قوله!
-3-
والواقع أن استنكار الدكتور في النقطة الأولى لربط العلمانية بهذا المفهوم الذي طرحه، والمطبق في تركيا أيضا، بالإلحاد، قد اتضح لي أنه استنكار منكر، فالواقع أن دولة بهذه المواصفات، هي دولة دينية بامتياز، ودينها الإلحاد بالفعل أو الوثنية إن صح التعبير، تحكم الشعب التركي بالحق الأتاتوركي، وتحاكمه على أفكاره وتعاقبه على خياراته، وللعجب، سعى الدكتور مصطفى بكل ما له من مهارات خطابية وشعاراتية إلى تزيين هذا النموذج الشاذ العجيب، مدعيا أن تركيا قد (اختارت) الحداثة، على غير ما يقوله التاريخ من أن كل هذه الأحداث ما كان للشعب التركي فيها يد ولا اختيار! ساعيا لتضييع المسار عن كل ما يبدو أنه لا يملك عليه ردا، فالكاتب الغربي الذي تمنى لو أن الدولة العثمانية لم تنهار لتوفر مرجعية واحدة للأمة الاسلامية هو في رأيه متباك قد يبدو في قوله شئ من الصحة، إلا أنه في رأيه “مع ذلك تعوزه السلامة المنهجية لأنه يفترض ثبات العوامل الأخرى كافة”! لكننا لا نجد أي توضيح في مقاله حول ماهية العوامل الأخرى من قريب ولا من بعيد، ناهيك عن أن السلامة المنهجية فعلا هي في افتراض ثبات باقي العوامل عند الحكم على عامل واحد!!
-4-
بالطبع، قد يتضح لنا ما ضايق الدكتور بالضبط عند قراءة التلميحات المتناثرة هنا وهناك في المقال، وأوضحه قوله “ونحن لا ننسى أن سقوط دولة الخلافة العثمانية على يد أتاتورك أدى إلى ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتكريس حركة الإسلام السياسي بديلا لدولة الخلافة المنهارة”، أقول بل انسى يا دكتور، انسى حتى تتمكن من مواصلة الحياة، فدولة الخلافة التي حاول تشويهها بتصويرها في صورة الدول العربية الحالية بكل ما تمثله من تخلف وضعف وتلازمات سلبية، يريدنا أن نسقط صورته السلبية كلها على النموذج الذي يبشر به (الاسلام السياسي)، خصومه في دمنهور بالطبع، أما نموذج البطل سيدي المستبد أتاتورك الذي يذكر الدكتور باعتزاز كيف أن من ينتقده في تركيا يلقى في غيابة الجب، فهو النموذج الذي يبشر به ويحاول تزيينه!
ربما لهذا السبب لم أجد في المقال إلا اجترار موقف يتعامل معه الدكتور مصطفى كأنه موقف شخصي، يجعله يواصل الدعاية الانتخابية الضارية بالتبشير بنموذجه وتشويه نموذج وبرنامج خصمه دون انقطاع أو كلل أو ملل..أما المثير للدهشة هو أن الدكتور، وبعد أن استهلك معظم الصفحة في اجترار الماضي الأليم، ممجدا له ومبشرا به، نجده يقول قبيل الختام، كلاما لا أعلم من يقصد به بالضبط: “إن غياب القيادة الواعية والافتقار إلى الرؤية السياسية الواضحة هما مظهران من مظاهر فترة الركود لدى الأمم وانحسار تأثير النظم، وهو أمر عرفته الأمة في مناسبات كثيرة وعانت منه في الفترات الضبابية عندما تعيش الأمة على تاريخها وتقتات من ذكرياتها وتقف عاجزة أمام الدنيا حولها والعالم يجري من أمامها”، وهذا حق بالفعل، ففي حين نجد أصحاب العقائد والبرامج والرؤى يسعون لطرح أفكارهم وجمع الأنصار والمؤيدين من حولهم والعمل الجاد هنا وهناك، نجد منظّري القيادة غير الواعية، كما وصفتها، يضيعون أوقاتهم في كلام قد احرق واستهلك من قبل وشعارات لا غرض لها في النهاية إلا انتصار لشخوصهم أو تشويه لخصومهم بالباطل، إن المنتظر من أي ممن يدعي أنه يريد مواجهة الطرح الديني، أن يقدم بديلا يستطيع إقناع الناس به بشكل صحيح، يصل به إلى المجلس بشرف ودون الاحتماء بسلطة غير واعية، وتذكر يادكتور دائما أن آفة المفكر وأكثر ما يطيح بعقله منهيا قدرته على التفكير المنطقي هو التأثر بالقضايا الشخصية وجعلها الدافع إلى هذا الاتجاه أو ذاك.