كان من حسن الطالع أن كنت مدعوا لاحتفالية القناصل الأفارقة ليلة أمس، بمناسبة يوم الوحدة الأفريقية الرابع والأربعين، في قاعة الميريديان بجدة، كان حديثهم عن الآمال والتطلعات الافريقية لحياة أفضل، أما مقدم الحفل، وكان مغربيا، فكان مباشرا وصريحا “نحن نهدف باجتماعنا اليوم، أن ندعوكم دعوة صريحة لاستثمار أموالكم في إفريقيا، نقول لكم، مرحبا بكم في إفريقيا أرض الموارد والثروات”
وكان رد ضيف الشرف السعودي، في كلمته أن أكد على عمق وتاريخية الروابط بين العرب والأفارقة، مستشهدا بهجرة المسلمين إلى الحبشة، وبأن من أوائل من أسلموا هم “صحابة من ذوي أصول إفريقية”، كبلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر..
بالطبع، فكما غاب دور مصر عربيا، كان دورها غائبا إفريقيا منذ زمن بعيد..لا أثر ولا ذكر لمصر في كل فعاليات اليوم، اللهم إلا أن عرض علمها في وسط أعلام الدول الإفريقية، رغم وجود عدد لابأس به من الحضور من المصريين..ربما لهذا انتبهت تماما، إلى أن الأكلات الشعبية المصرية التي وجدت في مأدبة العشاء لم تكن غائبة، فالحمد لله أن ثم شئ مصري، حتى لو كان طبق بابا غنوج أو محشي ورق العنب (لما تذوقت ورق العنب وجدته أقرب للطريقة الشامية لا المصرية، بالطبع لم أضيع وقتي مع ما أعرف وإنما حاولت استكشاف ما يأكله غيرنا)
الطابع الغالب بين الحضور هو الطابع الغيني، وعليه فلما قدمت فرقة غينية أغانيها -بعد العرض الإريتري وقبل الإثيوبي- وجدنا أغلب الحضور قد ضجوا تصفيقا ورقصا..كنت أحاول الإطباق على فمي قدر الإمكان كيلا يفلت مني الضحك، فوقتها تذكرت ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن الزنوج، ثم عدت أيضا لأذكر ما كتبه الجاحظ في رسالته “فخر السودان على البيضان“..ربما ليساعدني هذا في التحكم في الضحك..
بالطبع، كان في الحضور عدد من الأمريكيين، وغيرهم من الجنسيات الأوروبية..
يقال أن أحمد شوقي وصف إفريقيا بقوله:
إفريقيا جزء من الوجود…في شكل أشبه بالعنقود
وأقول أنا إفريقيا هي ساحة معركة ضخمة تموج بالصراعات الكبيرة والصغيرة، الكل معني بها وباستغلالها، أما استقلالها ورفاهية أهلها وتطلعاتهم لحياة أفضل فهي آخر ما يعني أي أحد..وهذا طبيعي جدا على أي حال…
كنت أود أن أقوم بتهنئة القنصل الموريتاني على ما حققته بلاده في مجال الديموقراطية..للأسف لم أستطع تمييزه في زحام القناصل وزوجات القناصل..
أثار أفكاري ما ذكرته الباحثة صفية الجفري من أمور في مقالها المنشور على إسلام أون لاين للتعليق، وكنت أنوي التعليق منذ وقت طويل على نفس الموضوع على أي حال..
ذكرت الأستاذة صفية بعض حقائق موجودة، وربما بما يوحي باستهجان لسلبيات حقيقية، ودون خوض في عواملها، تشوب علاقات المصريين (في الغالب) بالسعوديين (في أغلبهم أيضا)، ولعل من أهم ما انتقدت، هو التنميط، الذي يقع فيه أغلب المصريين، تجاه السعوديين، وبخاصة المرأة..
إنها حقيقة بالنسبة لي، أن أغلب المصريين المقيمين في السعودية، يعيشون عقودا من أعمارهم ربما تشكل أغلب سنين أعمارهم، ثم يرحلوا دون أن يفهموا طبيعة المجتمع السعودي بشكل صحيح، ودون أن يستطيع أحدهم أن يخبر إذا عاد إلى بلده، عن آراء أو ثقافة أو نظرة الشعب السعودي أي شئ ذي بال، لا أكثر من مظاهر عامة، ربما يعرفها الغرب كما يعرفها المصريون، وهي في الغالب خصائص ذات النمط الشهير، أعتقد أن هذا يعد أمرا لافتا للنظر، أذكر أنني سمعت من ينتقده من الإخوة السعوديين في إحدى المناسبات الثقافية حيث تعجّب من كون المقيمين في نفس البلاد لا نجد لهم دورا يذكر في تعريف العالم بثقافة السعودية ومجتمعها الداخلي..
هل أصحبكم في جولة قصيرة الآن؟..أجلس أمام الحاسوب في بيت أسرتي فيؤذن العصر، أقطع ثلاث شوارع إلى المسجد القريب، أؤدي الصلاة ثم في طريق العودة، أقف بين أربعة شباب أعرفهم قد توقفوا للحديث، شابين سوريين، ويمني، بعد أن أتركهم أسلم على زملاء الوالد وجلهم سعوديون، لكنني لست محظوظا كوالدي لأن مقر عملي ليس فيه سعودي واحد، رغم أنها شركة سعودية..لعل الصورة واضحة الآن، مساحات الاحتكاك صغيرة للغاية، رغم طول مدة التعايش المفترضة، وعلينا أن نضع في حسباننا أن هذه المساحة ليست دائما (بناءة ونافعة)، فوارد للغاية أن أتعامل مع أعداد من الناس دون أن أعرف شيئا من خصائصهم الفكرية أو الثقافية، أو عاداتهم التي يعيشونها، مادامت المعاملة في نطاق ضيق، فلنا أن نتساءل الآن، كم من هؤلاء يحمل فعلا ما يمكن تسميته بالثقافة السعودية وكم منهم يهتم أصلا بإظهار نموذج ما أو صورة ما أو يهتم بالشأن الثقافي أصلا؟
عندما تناولت الأستاذة صفية هذا الأمر علقت بملاحظتها لعزلة المصريين في السعودية، بما سمته بالذاتية التي تحجز عن التواصل المستكشف، وهي ملحوظة أراها على قدر كبير جدا من الصواب، لكنني أتساءل دائما، كيف لهذا التواصل أن يتم؟!
أعتقد أنه لا يمكن للغالبية العظمى من الناس التفرغ لأجل إتمام التواصل مع أو استكشاف الآخرين، هذا لا يعمل في الغالب، ولعل الأستاذة صفية تعرف الظرف الذي يدخل به المستقدم إلى السعودية (من أي جنسية كانت)، فهو يأتي (أو يُستَقدَم) لأجل مهمة محددة من قبل طرفي العقد دائما، طالت هذه المدة أو قصرت، فهو دائما في هذه المهمة، فحقيقة لا أجد إلا سؤالا واحدا، ماذا يدعوه للتواصل بأكثر مما يتطلبه ظرفه؟..ليس فسحة في وقته بكل تأكيد..
إذا كانت مهمته تسري على خير ما يرام، أوهكذا يرى، فالتواصل والبحث واستكشاف المجتمع السعودي بالنسبة له لن تتم إلا بقدر ما يحتاج، أنا لا زلت أذكر ما داخلني من العجب وما كتبته عن أول انتخابات بلدية في السعودية، ومفاجأتي بتعامل السعوديين مع آليات الانتخاب بكفاءة لم أتوقعها، كنت قد اعترفت وقتها بوقوعي في فخ التنميط وأنني لم أكن أتخيل (ولو على المستوى النظري) أن السعودية تموج بكل هذه التيارات الفكرية والخلافات والمدارس الفقهية، في دولة يبدو للناظر في أجوائها أن أحدا لا يختلف بقلبه (فضلا عن لسانه) مع هيئة دينية واحدة!
قد نقول إن العلاقات الشخصية والصداقات، تستطيع آداء هذه المهمة، هذه النظرية يبدو لي أن هناك الكثير مما يعيقها مع أغلب شعوب المنطقة، فثم هواجس غريبة تتعامل بها كثير من الشعوب العربية تجعل التواصل صعبا إلى حد بعيد، وتجعل الكلام محدودا بأكثر من حد داخلي أو خارجي، كمثال أذكره بوضوح الآن، فقد كنت على صلة بالطلبة اليمنيين في الاسكندرية لفترة، فحكى لي أحدهم كيف انتقد المهندس سياسات الدولة في المحاضرة واعتبرها سبب تأخر هندسة الإنتاج في مصر، ثم عقّب الشاب قائلا: “لو كان يعلم أنني يمني ما كان ليقولها أمامي بالتأكيد”..
ما أردته من هذا المثال، الذي اخترته لوضوحه، هو أن لدخول القوميات والعصبيات بين الشعوب أثر كبير على إعاقة التواصل إعاقات شديدة، تجعل من كلام المواطن السعودي عن السعودية نسخة أخرى من أي برنامج دعائي تلفزيوني، وكذا بالنسبة لحديث المواطن المصري عن مصر، واليمني عن اليمن، هذا العامل في رأيي دمر صدقية واكتمال الصورة لدى الآخرين، فنحن دائما نسمع من السعوديين عما يعتزون به، وما يحبونه وما يسعدون به، إلا أننا أبدا لم نعلم، ماذا يضايقهم؟! وأين تكمن المشكلات؟!..فحديثه عنها أمامنا يعتبره (نشرا للغسيل) وفضائح لا تصح، والعكس بالعكس أيضا، تأثير هذه العصبيات على التواصل العام شديد للغاية، فكل ما سينقله هذا المتكلم ليس إلا تمجيدا وتلميعا حتى لو كان لأمور يعتبرونها (هم) بينهم أنها سلبيات أو على الأقل ليست الوجهة الأمثل..
بالطبع ليس هذا العامل هو العامل الوحيد، وإن كانت تأثيراته تتعدى مجرد تدمير صدقية الحديث حتى تمتد إلى التأثير على المخالطة وحجمها، واختلاف العادات والاهتمامات الذي يجعل مد جسور الصداقة أكثر صعوبة بكثير، هذا كله لا يعني توترا أو سوء معاملة، بالعكس فحتى لو كانت المعاملة بين هذه الأطراف تتسم بالتقدير والود، إلا أنها لا تؤدي دورا حقيقيا في التأثير على وعي أي من الطرفين تجاه المجتمع الآخر..
هناك عوامل أخرى بالطبع قد لا تتعلق بنفس الموضوع، فشعوبنا في أغلبها لا تتسم بالجرأة في الطرح، حيث تعتبر التعبير عن الرأي خطرا يتهدد سلامة الفرد، وربما كان لهذا نسبة من الصحة في حالات، لكن من غير المفهوم أن يمتد هذا حتى إلى مجالس بين معارف أو أصدقاء، هذا العائق ربما أقل تأثيرا بكثير، إذ ليس له من تأثير إلا أن يضع حدودا لما يناقَش، لكنه يظل ستارا قد أسدل على مساحة ربما ليست ضئيلة من سمات المتكلم، وكلما زاد الخوف زادت المساحات المخفية..
من المؤكد أن ثم أزمة تواصل موجودة، لكن إذا كان غياب التواصل على مستوى كاف بين المصريين والسعوديين هو مبرر المصريين في تنميطهم للشخصية السعودية في أذهانهم، فما مبرر السعوديين؟
وإذا كان المصريون (وأزعم أنهم عموم الأجانب كما يلقبون في السعودية) إلى الآن لم يتمكنوا من التعرف على المجتمع السعودي، فهل لا يعرف المجتمع السعودي نفسه؟
هل لا يتعامل المجتمع السعودي نفسه مع الشباب السعودي على نمط واحد متخيل؟
ألا يفضل غير السعودي دائما في التوظيف؟..على أساس نمط، حتى لو ساد، يجعل هذا التفضيل قائما حتى لو لم يتحقق شرط الكفاءة حقيقة؟
ألا يفضل استئجار غير السعودي غالبا هناك على أساس صورة نمطية أيضا، للسائق السعودي والحارس السعودي والعامل السعودي (مع ندرتهم)؟
http://www.islamstory.com
موقع سعدت بالاطلاع عليه، وسعدت أن يكون تحت إشراف الدكتور راغب السرجاني..وهو أحد المهتمين بالتاريخ الإسلامي وتحليل أحداثه، وكذا استخلاص ما فيها من الدروس وإسقاطها على الواقع الحالي..وله في ذلك الكثير من الإصدارات والمؤلفات الجيدة، تهدف إلى تحريك الأفكار للاستفادة من المعلومة المحصلة..
والدكتور راغب فيما يبدو لي من موقعيه، لا يعرف مناطقا محرمة، ولا يعرف حدودا لما يناقش أو لا يناقش، هو لم يختر فيما بدا لي أن يبتعد عن الاحتكاك والمناطق الساخنة، بعكس الدكتور طارق السويدان مثلا، الذي اختار لنفسه أن يكون في مناطق أكثر هدوءا..
في طرح الدكتور راغب نجد كثيرا من المباشرة، افعل كذا وكذا وكذا وحجتي في ذلك هي كذا وكذا..هذا ضرب جديد من الوعظ المباشر الذي أجده رغم مباشرته ووضوح ما يود الوصول إليه، إلا أنه يحترم عقل السامع ويسعى في ذات الوقت إلى إثراء ثقافته ولو بالمعلومات النهائية التي توصل إليها الدكتور في بحثه، يمكننا أن نعتبره على مستوى ما محاور ذو حجة، لديه هدف عملي ملموس يود إقناعك بأهميته وجدواه بناء على معلومات وحقائق ملموسة في كثير من الأحيان تراها بنفسك وتلمسها عن قرب..
في كل الأحوال، فقد وجدت السماع له ممتعا ومفيدا بكثير من المعلومات والتفاصيل التي قد تخفى أحيانا، وكذا فحديثه دائما متفاعل مع الأحداث والأسئلة المطروحة على الساحة..
لهذا قلت أن موقعه هو موقع سعدت بالاطلاع عليه 
شكرا للأخ كوباية لبن..
في التعليقات كثير ممن سأل عن غيابي عن التدوين، شاكر اهتمامكم، حسنا عم يمكنني أن أتحدث؟!..
كثير هي الأوقات التي أجد ألا كلام يمكنه أن يقال، وربما كنت أفكر مؤخرا أيضا كما فكّر علاء في تدوينته..نعم، لم لا أتكلم عن كتاب قرأته؟..أو عن الجمل كما وعدتكم يوم البطاطس..
وجدت أن كل موضوع من هذه الموضوعات يحتاج إلى مساحة إضافية من الوقت والتفكير، ومع أنني لازلت على وعدي، ومع أنني لازلت أنوي الحديث عن الجمل، وعن كتاب نزهة العقلاء وروضة الفضلاء لابن حبان البستي، وعن أشياء أخرى من ذات القبيل، إلا أنني مضطر مجددا لإرجاء تناول كل هذا إلى حين فسحة من الوقت والفكر..
يمكنني أن أهنئ الاخوة قادة الإخوان الذين صدر اليوم حكم مجلس الدولة بإبطال قرار رئيس الجمهورية بإحالتهم إلى القضاء العسكري؟..مبارك لهم جميعا، ويارب اللي حبسكو يتحبس، وعقبال خروج عبد المنعم قريبا..
والتهاني تتواصل أيضا إلى الأستاذ جمال مبارك، مبارك يا أستاذ جمال مبارك، بالرفاء..
كنت أتمنى حقيقة أن تتوفر الفرصة للشعب، ليهنئ ويبارك في فرح شعبي..تأكد يا أستاذ جمال أننا كبار بما يكفي لنستطيع الفصل بين ما هو شخصي وخاص، وبين ما هو عام..لكن نعمل إيه في الحساد اللي بوظوا الفرح عشان يوقعوا بيننا؟