الخوارج، خدت الختم؟ 2
لهذه التدوينة عدة مناسبات..منها فتوى أبو الحسن المأربي التي أشرت إليها سابقا، ومنها أيضا حوار على منتدى..
وفي هذا كتبت في السابق موضوعاً موثقاً ومدعماً بأقوال العلماء..
أولا: من الخارجي؟!
لقد أصبح بعض الإخوة هداهم الله، وبعضهم يتسمى بألقاب “الشيخ، والعالم، والداعية” مسكونين بهاجس عجيب، اسمه هاجس الخوارج!!
فإذا أنكرت منكرا صرت خارجيا!!..وإذا رفضت الدنية في ديني صرت خارجيا، وإذا قلت الحق عند سلطان جائر صرت خارجيا!!
سبحان الله!..فقه أعوج، جعل الإسلام استسلاما، وجعل طاعة واحد من الناس هي مطلب الإسلام ولو ضيعت كل حدوده!!
أقول: إنه ليس كل من يعترض على الحاكم هو خارجي، الخوارج لهم فكر معين، ولهم صفة معينة، ولا يحاسب أحد على الخروج مالم يخرج فعلا، أي مالم ينابذ بالسيف، وإلا، وإن لم تتوفر فيه الشروط التي ذكرت سابقا في الموضوع، فإنه لا يكون خارجيا ولا يكون باغيا!!
أما الاعتراض على الحاكم في الباطل فهو مشروع، بل هو واجب، فالحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من أوجب الواجبات، يقوم بها كل مسلم فقه المسألة محل الخطأ، والنصوص الواضحة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تؤكد على ذلك، وإلا ما سمعنا أن امرأة تراجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسجد، فيقول أصابت امرأة وأخطأ عمر..لم ينهاها ولم يزجرها..فهي لم تخالف الشرع..
وكذا قول أبو بكر الصديق رضي الله عنه للناس: “أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا سمع ولا طاعة“..
وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قال:”أيها الناس، إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني”
فقام رجل فقال: “والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بأسيافنا”
بهذه الروح كان سلفنا الأول، ولم تكن هذه العبارات هي مجرد جمل بلاغية وتشبيهات وتهديدات، أو مجرد أقوال لترهيب الناس وبيان عظم شأن الظلم، بل كانت أقوال تنبئ عن أفعال..وهم القوم الذين لا يقولون إلا ما يفعلون، وهم القوم الذين يفعلون ما يقولون..هم السلف رضي الله عنهم..
ثانيا: حكم الخروج على الحاكم المضيع للدين..
ادعى بعض الناس أن إجماع العلماء قد انعقد، على أن نزع يد الطاعة من الحاكم إن ضيع الدين وتركه محرم، وهذا لم يحدث، والواقع أن ادعاءهم جاء عاريا من أي شئ يؤيده، فهم لا يتناولون من آثار السلف وتاريخ المسلمين إلا ما يؤيدهم وما يساندهم، ويتجاهلون كل ما ليس في صالحهم فلا يناقشونه..وكما قال الألباني رحمه الله: فأهل السنة يذكرون مالهم وما عليهم، أما أهل الأهواء فيذكرون ما لهم ولا يذكرون ما عليهم..
الواقع أن العلماء قد رأوا شروطا يجب توافرها في كل من تعقد له بيعة الخلافة، ذكرتها سابقا في الموضوع الذي أوردته..هذه الشروط ليس مجمعا على كلها، وهم لم يجتمعوا أيضا على حكم الخروج على الحاكم المضيع لحدود الله..
بشكل عام، فقد خرج الحسين من قبل على الفاسق، وخرج عبدالله بن الزبير أيضا وقاتل الحجاج وهما من الصحابة..وأحمد نصر الخزاعي أيضا أخذ البيعة على قتال الواثق وروى قصته ابن كثير رحمه الله وأثنى عليه، ونقل ثناء الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه..
فهذا مثال عن بعض من رأوا جواز الخروج على الحاكم المبدل لشرع الله، أو الحاكم الفاسق أو المبتدع، وقد خالف غيرهم حين رأوا أن بيعة المبتدع والفاسق تلزم، لكن ما أردته هنا في هذا المقام هو أن الإجماع لم ينعقد، كما ادعى البعض..
وحتى من رأى عدم جواز الخروج على الحاكم بالجور أو البدعة، كسفيان الثوري والحسن البصري، فإنهم لم يتركوا قول الحق، ولم يسكتوا عن ظلم الحكام، بل قالوا الحق واعترضوا على كل جور في البلاد..
من ذلك أن الحجاج بنى قصرا في أحد الأيام، فجمع أهل البصرة لرؤيته، فذهب الحسن البصري رحمه الله خطيبا فيهم: “أيها الناس، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، أين ثمود وعاد؟!..وأين الفراعنة الشداد؟!..تلك بيوتهم وتلك قبورهم، فما كان يغني عنهم عند رب العباد؟!”
وكثير من قصص الإمامين “الحسن البصري وسفيان الثوري” قد جمعها حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في الإحياء، في باب مواعظ العلماء والفقهاء والصالحين للحكام والسلاطين.
ثالثا: هل الحكام الحاليين هم لهم ما للخلفاء؟
وهنا بيت القصيد..فنحن أولا لم نعط بيعة لواحد منهم ولا طلب أي منهم البيعة كخليفة!
بل إن بيننا وبينهم عقدا لا علاقة له بحال، بعقود الخلافة ولا إمامة المسلمين!!
فإمامة المسلمين هي إمامة عامة، يبايع المسلمون خليفة لهم، فيبسط حمايته على كل مسلم في دار الإسلام..أي كل مسلم تحت سلطانه..
وهذا في حقيقة الأمر، لا علاقة له بحال”على سبيل المثال لا أكثر”، برئيس يبسط حمايته على المصريين “فرضا”، فمثل هذا الرئيس إنما هو زعيم قبلي..أو شئ كهذا، فهو ليس إماما للمسلمين، وليس العقد بيننا وبينه هو عقد خلافة بحال!!
أنا لا أقول إن هذا العقد لا قيمة له، بالعكس، فالإسلام يقر لكل جماعة أن يكون لها أمير أو ممثل أو رئيس، وأن يكون للبيت قائم وللأسرة كبير، وللقبيلة شيخ، لا بأس بهذا كله ولا أدّعي أنه يخالف الإسلام..لكنني أوضح، أن علينا أن ندرك الفرق هنا..بين خليفة المسلمين، وبيعة خليفة المسلمين، وبين زعيم قبلي لا معنى للإختلاف معه ولا معارضته..فلا يقول عاقل بحال من الأحوال أن أي واحد من حكامنا اليوم يمثل المسلمين في أي مكان..حتى الحكام أنفسهم لا يدّعون هذا..
في حين كان الخليفة دائما هو صاحب الموقف المعبر عن موقف المسلمين جميعا، ولهذا أيضا كان حقا على المسلمين تقويمه لو أخطأ!!
لكم جزيل الشكر…
