هل انتصر حزب الله؟!
صار هذا السؤال هو أحد الأسئلة التي تتردد بقوة مؤخرا عبر الإعلام العربي عموما..وبالرغم من أن الصهاينة غير راضين عن نتيجة المعركة، ومع أنهم حسموا أمرهم تجاه هذه المعركة باعتبار أنفسهم مهزومين، إلا أننا على الجانب الآخر لا نزال في جدل، ففي حين يخوض بعض الناس في تعداد شهدائنا وجعل أعداد القتلى ومقدار الخسائر مقياسا للنصر والهزيمة، أو النظر إلى ما أسفرت عنه المعركة بسخط، قابلهم الآخرين إما بالتحليل والمعلومات كما كتب فهمي هويدي و محمد حبيب، أو بالغضب، أو بالإحباط الشديد..
بادئ ذي بدء، اسمحوا لي بالاعتراض على صيغة السؤال، فهي لا تزال غير محددة بالنسبة لكثير من الناس..فالسؤال دائما ما يقال بصيغة “هل انتصر حزب الله؟!”، وهذا السؤال هو سؤال خاطئ، وتصحيحه: “هل انتصر لبنان؟!”
فحقيقة أن حزب الله لم يكن وحده في المعركة، فبحسب معلوماتي أن كتائب الفجر التابعة للجماعة الإسلامية تولت الدفاع عن سلسلة من القرى السنية في الجنوب، وقاتلت بالتنسيق مع حزب الله في مرجعيون، كما قاتلت -أيضا- ميليشيات تابعة لليسار بالتنسيق مع حزب الله..أما عن دعم موقف حزب الله في المعركة، فالواقع يخبر بأن أغلب التيارات اللبنانية قد دعمت موقف الحزب أو -على أضعف الإيمان- امتنعت عن تحميله أي مسؤولية عن العدوان الصهيوني، هذا طبعا بخلاف التأييد الشعبي العام..الذي يجعلني -بالتالي- أرفض جعل هذه الحرب، هي حرب “حزب الله”، وإنما هي حرب لبنان!!..
وحقيقة فأنا غير قادر على أن أمنع نفسي من الاعتقاد بأن من يحاول جعل هذه الحرب هي حرب حزب الله وحده، إنما يحاول ذلك لغرض، ويصبح افتراض البراءة أو الغباء فيه صعبا بالفعل، كما قال الأستاذ فهمي هويدي..ذلك أن الانقسام الحقيقي الذي وقع بين العرب في هذه الحرب، ليس انقساماً بين شيعةٍ وسنة، وإنما هو في حقيقته انقسام بين مؤيدي مشروع الجهاد أو المقاومة، وبين مناهضي هذا المشروع، ممن أسميهم بالمخذّلين..وإن كنت أُقِرّ أن بعض الناس قد انجر إلى مواقف المخذلين ممن لا ينتمون إلى هذه الفئة، بسبب إلباسهم لموقفهم زيا مذهبيا..
وفي إجابة الناس عن السؤال الخطأ “هل انتصر حزب الله؟” تفاوتت الإجابات، فمن قائل إنه يعتقد إن الحزب قد هُزم، بعد أن تكبدت لبنان خسائر مهولة كانت في غنى عنها، دون استرداد شيء من حقوقها وبعد أن صار على الحزب أن يتراجع بعيدا عن الحدود، ولا ينسى أن يقول إن المسؤول عن الهزيمة هو حزب الله..
في حين يرى الطرف الآخر أن حزب الله قد انتصر، استنادا لحقيقة أن تعداد الخسائر ليس مقياسا للنصر، وأن المقاومة صمدت بالفعل حتى أجبرت العدو على القبول بحل سياسي، لما وجد أن تقدمه السنتيمتري -كما لقبه الصهاينة- أكثر تكلفة مما كان يتخيل..مما يعد انتصارا عسكريا حقيقيا، إذ قامت المقاومة فعلا بمنع المهاجمين من تحقيق أهدافهم، وهذا هو غاية مطلب من يشن حربا دفاعية!!
هذه أجوبة السؤال الخطأ..فاسمحوا لي أن أحاول الإجابة عن السؤال الصحيح..
هل انتصر لبنان؟!
دعونا نفكك النصر أولا، ونحاول أن نعرف أجزاءه، النصر الحقيقي والكامل، أي لنقول أن لبنان قد انتصر، يجب أن نملك شقين، شق عسكري، وشق سياسي..فالنصر العسكري قد تم لنا بالفعل في كثير من المعارك، في حين لم ننل في النهاية من السياسة ما يتناسب مع نتائج المعركة..ففي الأيام الأولى لحرب 48، كانت الطائرات العربية تلقي القنابل في قلب تل أبيب، لكن وبعد الهدنة التي تسلح الصهاينة فيها ونكوص القيادات السياسية وخذلانها للجيوش والمتطوعين على السواء..كانت النتيجة هي قيام ما يسمى بإسرائيل، ومثال أوضح، هو ما تم لنا من نصر ساحق في أكتوبر سنة 1973، كان يؤهلنا لما هو أكثر بكثير مما أسفرت عنه الحرب في النهاية، لكننا فيما يبدو دائما وأبدا ما نؤتى من قبل الساسة..
أما في هذه الحرب..فالأمر أسوأ بكثير!!..
إنني أرى أن النصر العسكري قد تحقق تماما للمقاومة، وفي نفس الوقت، فلم يكن جلد المقاومة إعلاميا وسياسيا إلا على أيدي الأشقاء العرب، تماما كما فعل رئيس أكبر دولة عربية مثلا عندما قال إن الحرب هي “خسارة للبتاع”..ولا أستطيع أن أصف لكم كم آلمني أن أسمع منه هذا!!
البتاع؟!..
البتاع؟!!..يا خسارة الرجال!!..والله ما ظننت أبدا أن نسبب خسارة للبتاع!
لقد انتصرت المقاومة عسكريا بالفعل، لقد جلدت الأعداء وفضحتهم أمام كل العالم سواء من حيث أخلاقياتهم في الحرب، أو من حيث قدرتهم أصلا على القتال، لقد لقنتهم دروسا ما كان يحلم بها في أسوأ كوابيسه، كما يقولون هم بأنفسهم، وكما أكدت أفعالهم طويلا..لكن الأشقاء العرب خذلوا المقاومة كأسوأ ما يكون الخذلان!!
وسؤالي للذين يلومون المقاومة ويدعون هزيمتها لأن الحرب لم تسفر عن استعادة لبنان لحقوقها، دور من هذا أيها السادة؟!
هل هو دور من يقاتل لأجل استعادة هذه الحقوق؟..أم هو دور القيادة السياسية؟!
ألم يكن دور الساسة العرب يوم أن اجتمعوا لدعم موقف لبنان أمام مشروع وقف إطلاق النار المطروح؟!..جميعهم قد انطلقوا من الاستجداء والتسول كعادتهم المقيتة، فهم جميعا يريدون وقف إطلاق النار رأفة بالمدنيين “وهؤلاء المدنيين هم أنفسهم الذين قرروا أنهم صامدون وداعمون للمقاومة”، دون أن يفكر أغلب هؤلاء في استثمار انتصار المقاومة العسكري، نِعمَ الضغط هو!!
أعلم أنني سأسمع من يقول أنه مجرد انتصار دعائي، وسيكون ردي على هذه “الفرضية” هو أنه لا ما يمنع الساسة من استغلال انتصار دعائي..هكذا فعل الصهاينة من قبل بثغرة الدفرسوار، التي اعتبروها نصرا لهم، في حين كانت في حقيقتها حصارا وقعوا وتورطوا فيه!!
ألم تقم المقاومة بكل ما يحتم عليها الواجب أن تقوم به؟..ألم تقاتل بشراسة وتصد العدوان عن الأرض؟!..فأي هزيمة عسكرية قد لحقت بلبنان إذن؟!..
إذا كان هناك هزيمة قد لحقت بلبنان، فهي الهزيمة السياسية بلا شك، والتي جاءت بفضل هؤلاء..الذين تفرغوا طوال فترة الحرب لتحميل المقاومة مسؤولية العدوان، وادعاء العقلانية والواقعية والموضوعية والفكر السياسي..هاقد أثبتوا جدارتهم اللامتناهية عندما وجدوا أنفسهم في الميدان والمعترك السياسي..وإذا كان السياسي مطالبا بأن يتعامل مع الأمر الواقع وأن يستخلص منه أفضل النتائج التي تصب في مصالح شعبه، فإن سياسيينا فيما يبدو قد تخلوا عن هذا الدور، وتفرغوا فقط للّوم والتقريع..لمن يرونه “السبب فيما نحن فيه” حتى أضاعوا كل الفرص المتاحة..ثم ليتهم اعترفوا بخطأهم، أو ليتهم -على أضعف الإيمان- سكتوا عن هذه النغمة التي أسمعونا إياها منذ بدء الحرب، لكنهم سعوا إلى تحميل المقاومة مسؤولية تقصيرهم وخذلانهم للبنان، فصار ما استقرت عليه الأمور اليوم هو ما جاء به وتسبب فيه حزب الله لا غيره!!
وسؤالي اليوم لهؤلاء السياسيين والواقعيين، إذا كنتم ترون أن قبول حزب الله بقرارات مجلس الأمن الأخيرة والمجحفة بلبنان رغم صموده هو هزيمة يتحملها حزب الله، فماذا كنتم تقترحون عليه إذن؟!
أليس هذا هو الموقف الذي قبلته القيادة السياسية اللبنانية؟..والذي كنتم تلومون الحزب ابتداء على شنه للحرب بدعوى أنه ليس قيادة لبنان السياسية؟!
ثم أليس هذا هو الموقف الذي أسفر عنه (ضغط) القادة العرب؟!..الذين كانوا ملكيين أكثر من الملك، فلم يعجبهم أن يتصرف الحزب بمعزل عن الحكومة اللبنانية في حين لم تلمه الحكومة اللبنانية نفسها؟!
إن خلاصة هذه الحرب قد أظهرت معدن الكثير والكثير من الإعلاميين العرب والساسة والمنظّرين، هي أظهرت -أيضا- أن مشروع المقاومة هو المشروع الوحيد الناجح، لولا الخذلان المستمر..أنا أدّعي الآن أن الساسة العرب الذين اعتبروا أن حزب الله يحاول خطف الزعامة والقيادة السياسية في الوطن العربي هم محقين في مخاوفهم، إنه من الطبيعي جدا أن تلتف الشعوب العربية حول من يتبنى مشروع المقاومة، وإذا لم يُظهر الساسة العرب الحاليين تبنيهم لهذا المشروع جديا وبالشكل المرضي للشعوب، فليبشروا بأفول نجمهم ولو بعد حين، فسوف يلتف الناس تدريجيا حول من يتبنى آمالهم وتطلعاتهم، ولا تلوموا الناس وقت أن تجدوهم يلتفون حول حسن نصر الله وفيصل مولوي واسماعيل هنية وأحمدي نجاد!!
وفي النهاية، ليذكر رئيس الجمهورية أنه موظف برتبة رئيس جمهورية، وظيفته هي تمثيلنا وتمثيل مواقفنا، لا أن يسيّر مصر برأيه وأهوائه الخاصة!!

