بعد أن سمعت هذه الخطبة..كان هذا تعليقي:
لفظة الخوارج هي لفظة دعائية بحتة يعرف أهل العلم عوار إطلاقها جزافا يمنة ويسرة، وهي قد صارت مؤخرا علامة مسجلة يطلقها الإعلام على كل من يعارض خروج الحكام عن جادة الصواب، بدعوى أنهم يفعلون فعل الخوارج!!
والخوارج -كما أخبر الخطيب بنفسه في خطبته- هم فرقة من أهل القبلة لهم اعتقادات منحرفة، خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم مشهورون بهذا الإسم، وإلا فمن أسمائهم أيضا الحرورية نسبة إلى حروراء، ويسمون أيضا بالمارقة لمروقهم من الدين..
أما من يخرجون على الإمام -من غير الخوارج- فلهم ثلاثة أقسام فصل فيها أهل العلم:
1- أن يخرج خارج بلا منعة ولا تأويل..
2- أن يخرج خارج بتأويل بلا منعة..
3- أن يخرج خارج بتأويل ومنعة..
فأما الأول فهو كقاطع الطريق، يخرج على طاعة الإمام بلا سبب شرعي ولا منعة معه، وهذا يعامل بالشرع بحسب حاله، فإن كان أصاب دما حراما اقتص منه، وإن كان قد نهب أو مارس الحرابة جرى عليه حد الحرابة، وهكذا..
وأما الثاني، فجمهور العلماء على أنه كالأول، ويرون هذا حتى لا يفسد كل متأول أمر المسلمين فيخرج الواحد والإثنين فإذا قُدِر عليهم ادعى لنفسه تأويلا!
ومن أهل العلم من رأى أنهم كالفئة الثالثة حيث لا يعتد بالكثرة ولا القلة..
وأما الصنف الثالث، فهم من يطلق عليهم “الفئة الباغية”، وهي فئة لها ثلاثة شروط:
1- أن يكون لهم تأويل شرعي للخروج..
2- أن يكون لهم منعة، أي عدد كبير..
3- أن يخرجوا على الإمام فعلا..
وهؤلاء لهم أحكام خاصة بهم فصلها أهل العلم..وهم ليسوا بخوارج وإن كان الخوارج هم فئة باغية..
وواضح إذن هي سطحية الإعلام ودعاواه حيث يحاولون وصم كل معارض للحاكم -سواء أخرج أم لم يخرج- بكونه من الخوارج أو -حتى- من الفئة الباغية، وهذا خلط وتدليس وكذب على الأمة..
ولو فرضنا أن الحكام الحاليين -أصلا- يصح لهم الإمامة -وسنفصل لاحقا في شروط الإمامة الشرعية ومن تعقد له بيعة الإمام- فإنه لا يصح بحال اعتبار كل من يعارضه في ظلم يظلمه للناس أو خطأ شرعي يرتكبه أنه باغ أو خارجي، فلكي يعتبر شخص بهذه الصفة يجب أن يخرج بالقوة كي يصبح باغيا، وهذا ليس إلا إرهابا فكريا يقوم به أذناب السلطان ضد أهل الحسبة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حتى لا يتسنى لأحد أن يرفع بكلمة الحق صوته، وهي خير الجهاد كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم..
أقول: هذا لو صح اعتبار حكام اليوم أئمة، وإلا فهاكم شروط الإمامة الشرعية ولكم أن تراجعوا كتب علماء السلف:
1-أن يكون مسلما يحكم بما أنزل الله..وقد نقلت هذا الشرط بنصه من كتاب الشيخ راشد بن محمد بن راشد الهزاع، القاضي بالمحكمة الكبرى بجدة (أحكام البغاة)
2- أن يكون بالغا مميزا..ولم يخالف في هذا إلا الروافض، وذهب بعض أهل العلم أنها تصح للصغير عند الضرورة..(المصدر السابق)
3- أن يكون كامل الحرية فلا تصح لعبد أو مكتتب..ولم يخالف في هذا إلا الخوارج..
4- أن يكون عاقلا فلا تصح لمجنون، ولا خلاف في هذا الشرط كما ذكر القرطبي..
5- أن يكون ذكرا..وهو شرط مجمع عليه لا يعتد بمن خالف فيه لأنهم إنما خالفوا بعد الإجماع، كالشبيبية من الخوارج، ونقل الإجماع على هذا الشرط ابن حزم..
6- يشترط في الإمام العدالة على شروطها الجامعة، بأن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدا من الريب، مأمونا في الرضا والغضب، مستعملا مرؤه مثله في دينه ودنياه، فإذا توفر ما تقدم، فهي العدالة التي تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته (الأحكام السلطانية للماوردي)
7- يشترط فيه أن يكون عالما علما يؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام (الأحكام السلطانية للماوردي) وذكر الشيخ راشد الهزاع أن بعض العلماء ذكر أنه ينبغي أن يكون ممن يصلح لولاية القضاء بين المسلمين..
ثم استطرد: “غير أن المطلع على بعض الكتب الفقهية يرى أنه يكفي أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه فقط”
8- أن يكون شجاعا وقويا قادرا على اتخاذ القرارات الحاسمة والخطيرة، ونقل الشيخ راشد عن القرطبي عليه رحمة الله: “أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا ضرب الرقاب، ولا قطع الأبشار، والدليل على هذا كله: إجماع الصحابة رضي الله عنهم”
9- أن يكون سليم الحواس والأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض (الأحكام السلطانية للماوردي)
10- النسب، وقد اختلف العلماء في وجوب أن يكون نسب الإمام لقريش، إلا أن الجمهور يشترطه (الأحكام السلطانية للماوردي)
ما فات كان الشروط الواجب توفرها فيمن يبايع كإمام المسلمين، كما ذكرها علماء المسلمين ممن اهتموا بهذه المسألة، يضاف إلى هذا كله أن أحدا من حكام اليوم لم يعلن نفسه أميرا للمؤمنين، ولا أخذ البيعة من المسلمين على مثل هذا، ولا بسط حمايته على كل مسلم، وإنما هم زعماء قبليون، فواحد للمصريين، وآخر للسعوديين، وهكذا..
غير إنه علي أن أنبه إلى أمر شديد الأهمية في هذا المقام، أنه لايعني كون حكامنا اليوم لا تنطبق عليهم تلك الشروط، أن الخروج عليهم جائز بشكل مطلق، فقد اشترط العلماء لخلع الحاكم الذي لا يقيم الشريعة شرطا، هو أن يكون خلعه دون إحداث فتنة أكبر ممكنا، وهو الخطأ الذي وقع فيه “الجهاديين” وأمثالهم ممن حاولوا الخروج بالسلاح فتسببوا في فتن أكبر دون تحقيق المقصود..
وبالإضافة إلى ذلك، فإن احترام الزعامات القبلية وما شابهها من الأمور ليس متعارضا مع الإسلام ما دامت طاعتهم في المعروف، لكن ما ينبغي فهمه هو أن مثل هذه الزعامات لا يصح خلع ما للخليفة من حقوق عليهم..
خلاصة القول، أن الخروج على الحكام اليوم بالقوة هو أمر يودي بنا إلى فتن ولا يحقق مقصودا، فهو لا يصح بحال من الأحوال..
وفي المقابل فعلى عقلاء هذه الأمة أن يثبتوا، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وعلى العلماء أن يقولوا كلمة الحق عند السلاطين الجائرين، ولا يخافون في الله لومة لائم فإن الله مولاهم وهو يهدي إلى سواء السبيل..
وبعد، فإن علينا أيضا أن نفهم قدر كل شيء وحكمه دون خلع ألقاب أو ترديد مزاعم إعلامية تخص أي طرف من الأطراف..فلا يدلس علينا أبواق الطاغية فيَصِمَ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بما ليس فيهم، أو يجعل لنفسه ماليس له بحق، ولا أن نستجيب لأصوات من دعوا للخروج دون إنصات لا لشرع ولا لعقل..
والله الهادي إلى سواء السبيل…
_________
اقرأ أيضا:
فتوى الشيخ حامد العلي
كلمة الشيخ فيصل مولوي
الأحكام السلطانية..الماوردي
مواعظ العلماء والفقهاء والصالحين للأمراء والسلاطين..جزء من كتاب إحياء علوم الدين-لأبي حامد الغزالي..