مار جرجس..بعد الزحمة..
تضيع أصوات العقل بين صخب الغوغاء..هذا ما يكون دائما..
من دعا إلى هذه التظاهرة؟
من عبأ الناس ومن حرضهم؟
إلى الآن لا أعرف تحديدا..لكن المؤكد أن سوء النية والطوية كان مبيتا..
حسنا نقطة سريعة:
أعرف بشأن هذه المسرحية منذ ما يقرب من ستة أشهر، وقد علمت بأمرها من أحد سكان محرم بك، وكان يتكلم عنها وكأنه يعرف أمرا مشهورا ومسلّما به، أخبرني أنه شاهدها..
وجدت في جريدة المصريون مقالا عن “كيف تسربت المسرحية” أقول: الأمر ليس سرا بهذه الخطورة..أسهل شيء أن “تتسرب” مثل هذه المسرحية!
وجدت أيضا من حاول نفي وجود المسرحية من الأساس..لا داعي..
وجدت أيضا من يدعي أن المسرحية ليس فيها ما يسيء للإسلام أو المسلمين..سأفترض العكس…
لنكمل إذا.. سأكتب في البداية سطورا لهؤلاء الذين فرحوا بالتظاهرات وظنوها صحوة إسلامية..قبل أن نتحدث عما وراء الأمور:
الحمية الدينية هي مما نجده عند أي شخص..فهي أن يدافع كل إنسان عن معتقده وما يؤمن به..وليس في هذا أي عيب..
لكن ما حدود الحمية الدينية وما معناها؟ وإلام يجب أن تؤدي الحمية الدينية؟
بحسب إيماننا:
“فإن المسيحيين هم يجتمعون في كنائسهم أساسا لأجل عقيدة فاسدة، ولأجل كفر صريح، وبحسب إيماننا فإنهم يقولون على الله ما (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً) (مريم : 90) يعني بيقولوا كلام يودي فداهية من الآخر”
حسنا يا أصحاب الإيمان..ويا أيها المؤمنين بالإسلام..هذا هو رأينا في عقيدة المسيحيين بنص القرآن..ليس في وسعه أن ينفيه أحد من المسلمين بعد ذلك وبعد إجماع الأمة عليه!
فماذا فعل الصحابة وماذا فعل الرسول “صلى الله عليه وسلم” حيال هذه الكوارث التي يقولها المسيحيين في حق الله؟
لا شيء!
بكل بساطة لم يفعلوا شيئا!
لماذا؟ هل خانوا الله؟ حاش لله!
إذا ما القضية؟..وهل أنتم أكثر حمية من الرسول “صلى الله عليه وسلم” وأصحابه، الذين لم يفعلوا شيئا حيال المسيحيين وكنائسهم وبيعهم عندما تعاملوا معهم ودخلوا بلادهم؟
القضية هي: بماذا أمر الله تعالى المؤمنين؟
بماذا يأمركم إيمانكم؟
أنا افترضت سابقا أن المسرحية تسب الإسلام والمسلمين..
لنتبع الفرضية..المسيحيين مثلوا منذ سنتين..مسرحية سبوا فيها المسلمين..بماذا أمر الله تعالى المسلمين في هذه الحالة؟
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (آل عمران : 186)
هذا ما قال الله!
فلا يدعي أحد اليوم أنما قام للدفاع عن الإسلام..فهذا هو موقف الإسلام مما كان..
الأمر الثاني: هل الخطر الداهم الذي يهدد إسلامكم هي مسرحية مثلها “شوية عيال” ورعاها قس استضافها فكنيسته؟
وهل يثيركم ما يقال عنكم أكثر مما أثاركم ما يقال في حق الله؟
وهل اليوم فقط خرجت التظاهرات على “كلام” ولم نجد واحدا منكم يعترض عند اعتصام “شوية عيال” في إحدى الكنائس بغرض رد امرأة أسلمت عن دينها؟
أيهما عند الله أكبر يا مسلمون؟
ثم هل توجه منكم أحد إلى القضاء ومعه نسخة من هذه المسرحية ثم لم ينصفه القضاء فخرج ليحتج بالتظاهر؟!
حسنا..إذا أتاني أحدهم برد ما سنكمل..ولننظر الآن في الحدث نفسه:
*في أي تحرك عام دائما ما أسأل السؤال المهم..”كيف بدأ الفعل؟”
إن أحدا من المسلمين لم يجرؤ يوما أن يقف مثل هذا الموقف، فالداخل إلى مكاتب أمن الدولة مفقود والخارج مولود، مالم تكن لك (عزوة) في الخارج!
كيف يمكن الاجتراء على هذا الفعل مالم يكن ثم ضوء أخضر قد ناله من بدأ الفعل؟
هذا هو السؤال الأول..وهو شديد الأهمية بمكان..
فالصحف ركزت على شخص ما وزع أقراصا مدمجة عليها تسجيل المسرحية، وآخرين تكلموا عن رسائل محمول، كل هذا لا قيمة له..
نعرف بأمر المسرحية منذ وقت طويل ولم يكن لهذا مردود من أي شكل..ولم يكن أحدا يجرؤ..فكيف بدأ الفعل؟..
قد يأتي أحدهم قائلا أن الحمية الدينية التي لم تتقيد بالدين نفسه هي السبب لا الضوء الأخضر فأقول ربما هذا صحيحا في حال الآخرين..أما من بدأ الفعل، فقد نال ضوءا أخضرا بلا شك..وإلا –لو كان الأمر حمية- لكان بدأه منذ وقت طويل..
حسنا من قراءتي لتغطية مالكوم وتغطية طق حنك…واضح أن نوعية المتظاهرين اختلفت بين التظاهرة الأولى والتظاهرة الأخيرة، وهذا قد يؤيد وجهة نظري نوعا..
لنسأل الآن: من المستفيد؟
أشعر أنني قد أبدو مملا لو قلت أنها تصفية خصوم سياسيين..لكن لا أظن أنه يعيبني أن أكون مملا عند الحديث عن الأحداث المملة!
ففي الفترة الأخيرة كانت بعض التفاهمات بين شخصيات قبطية وقادة الإخوان المسلمين وبعض اتفاقيات التعاون في الانتخابات القادمة..
ثم تقوم الأحداث، لنجد الإعلام يوجه حملته ضد من أسماهم بـ”المتطرفين الإسلاميين” ويذكر بالإسم أحيانا “جماعة الإخوان المسلمين” بالرغم من أن كل الأسماء التي يذكرها الإعلام (تحت بند المتطرفين) لا علاقة بينها وبين الإخوان..وبالرغم من أن من شاهدوا ومن سمعوا لم يذكر أيا منهم أي وجود للإخوان..لكنها محاولة واضحة لإلباسهم هذا الثوب، وفي المقابل أن يرتدي النظام ثوب “المدافع عن حقوق (الأقليات)”
وعلي أن أروي لكم أنه منذ أول حصار لكنيسة مار جرجس (وفي ذات الوقت) أخبرني مالكوم أن كلاما قد قيل “عن أن مجموعة من الإخوان تحاصر كنيسة مار جرجس” على لسان صديقة صحفية تريد التأكد من الخبر!
ألهذا تركوا لهم حرية الحركة في الدعاية الانتخابية؟..ربما!
فأصوات أخرى بين المسلمين بدأت بإظهار الإخوان في صورة “المهادن” للمسيحيين “الأشرار” الذين يسعون للسيطرة على مصر وتهديد الإسلام فيها..
في نفس الوقت..فأكثر من شخصية مسيحية في مصر قد ظهرت وأعلنت معارضتها الصريحة لنظام الحكم القائم، وكان ثم ضرورة لضرب كفاية مثلا التي ينسق أمورها واحد من “الأشرار” وينضم تحتها عدد ممن هادنوا الأشرار..(طبعا الاشتراكيين أو غيرهم سهل جدا على الحكومة انها تلبسهم ما تريد: إلحاد، تخريب، ردة..إلخ)
هذا سوى مرشح قوي في دائرة الوايلي..وغيره من الشخصيات التي كان ينبغي التخلص من شعبيتها..
هكذا إذن يحاول النظام ذبح أقوى أجنحة المعارضة على رأس الشعب بمنطق “فرق تسد”..فحتى لو كان النظام لم يضطلع بإيقاظ هذه الفتنة فإنه يحاول استغلالها بهذا الشكل..دون أدنى حرص على وحدة الشعب أو سلام مصر الاجتماعي!
أضف لذلك أن ثم مبرر قوي لا ستمرار قانون الطوارئ الآن..
سألت أحد من خرجوا في هذه التظاهرة: “من دعا إلى هذه التظاهرة؟” فلم أجد منه جوابا!!..هل يجيبني أحد؟!
بالمناسبة..يجب أن أسجل إعجابي بموقف الأنبا شنودة..إذ رفض لوم المسيحيين لأجل ما يراه شائعات..ليت شيخ الأزهر في شخصيته مثل هذا الجانب!
قد أعود لاحقا..
