ليس هجوما على أهل السنة..
اعتبروا هذا المقال من قبيل النقد الذاتي، فإننا إن لم نواجه أنفسنا بعيوبنا وأخطائنا فيما سبق، فكيف لنا أن نصحح المسار؟
وفي الختام، أريد أن أسجل هنا نقطة مهمة، فمن العجيب أن وكالة الأنباء الإيرانية قد صمتت، ومراجع الشيعة قد توارَوا إلى الخلف، وتركوا أهل السنة يردُّ بعضهم على بعض، وهم يتفرَّجون! وهو مشهد مذهل حقًّا: ألا يوجد في المجتمع الشيعي كاتب واحد ينتصر لموقفي، أي لأهل السنة، في إيران أو العراق أو لبنان أو الخليج! على حين نفر من رجال السنة من هنا وهناك -ولا سيما في مصر بلد الأزهر- مَن ركب جواده، وامتشق سلاحه، دفاعا عن الشيعة المظاليم!
(الشيخ القرضاوي - من رسالته إلى الدكتور أبو المجد)
ذكرني قول الشيخ القرضاوي في رسالته إلى الدكتور أبو المجد بتقارير قد قرأتها سابقا عن تسرّب وثيقة لخطة إيرانية تهدف إلى تكوين لوبي ثقافي من الكتاب والصحفيين لحسابها داخل الوطن العربي، وذكر في هذا التقرير أسماء العديد من الكتاب الاسلاميين وأقطاب المعارضة، وكثير منهم ممن انتقد القرضاوي في هذه الأزمة، لكن بالطبع، فهكذا تقرير لا يؤخذ على محمل الجد، فلا هو ثابت سندا ولا ميل من سمّاهم التقرير لجانب وكالة مهر في الأزمة الأخيرة يدل بالضرورة على مصداقية الخبر..
لكننا في المقابل لا نستطيع نفي المسؤولية عن بعض المثقفين عن تأكيد هذه الاتهامات في حقهم، إذ كان يجدر بهم، وفق ذات المنطق الذي تبنوه في النقد أن يغلق الحديث في هذا الأمر من جانبهم بعد اجتماع هيئة علماء المسلمين مؤخرا وعودة الهدوء للساحة ولو نسبيا..
الواقع أن مواقف الشيعة كانت دائما أكثر تحديداً في مختلف الأحوال، وهذا التحديد يجمعهم دائما على قول واحد يعبر عنهم -على اختلافهم- ولا يسمح بتصادمهم بشكل مستمر، أو يقلّل ذلك إلى الحد الأدنى، أظن أن استشفاف أسباب تحدّد المواقف الشيعية ربما يكون سهلاً، لكنني أفضّل الآن، الحديث عن مظاهر (عدم التحديد السنّي)، وأسبابه ونتائجه، ومدى آثاره السلبية على مستويات مختلفة..
فمأساة أهل السنة في عصرنا هذا، دخول من ليس منهم بينهم، وتملّكه أمرهم، وحديثه باسمهم، فأفسد عليهم دنياهم ودينهم، ثم شوّه صورتهم وأضلّهم..
فبين حكام لا يمثل أحدهم منهج أهل السنة في شئ، صاروا، بقدرة قادر، يتحدثون عن السنة والشيعة وعن خسائر (البتاع) في حرب لبنان، فعلوا هذا وهم من يؤكد أحدهم ويندد ويهدد دائما بأن كل من تسوّل له نفسه أن يمارس السياسة تحت غطاء ديني لن يجد إلا الحظر الحكومي!!..
صار هؤلاء يفتئتون على منهج أهل السنة ويتكلمون لتحسب مواقفهم على أهل السنة في حين أن كل أعمالهم إنما هي منافية لا لعقائد أهل السنة وحدهم وإنما حتى ما هو متفق عليه بين جميع المسلمين، فلا ولاء ولا براء، لا جهاد ولا نصرة، لا يقبل أحدهم أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، ثم هو يتحدث باعتباره ممثلا لأهل السنة، ولو كان الأمر هو ذاك وحسب لهان الخطب، لكن تكمل الصورة مدارس فكرية ظلت تمارس الشحن والمبارزات الاعلامية ضد الشيعة فيما لهم وما عليهم، تصورهم كشياطين رجيمة لا تقر لأي منهم بأي فضل أو خير، وتجادل فيما يراه الناس واضحا بأعينهم، بعيدا عن الموضوعية وربما بعيدا عن الروح العلمية وأدب الحوار وأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة..وما كان عليهم إن حاججوهم فيما يعلمون وتركوا مالا يعلمون؟
هل القضية لدى طالب علم شرعي، أن الشيعة مبتدعة أو أنهم -مثلا- يرون عصمة لبشر بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟..أم أن القضية عنده أن يثبت أن إيران على وفاق مع أمريكا في السر وبالتالي فحزب الله على وفاق مع اسرائيل -أيضا- في السر؟
ما كان عليه لو أنه أقر بما يراه الجميع بدلا من محاولة إقناعهم بما لا دليل عليه؟..أما كان ذلك ليجعل كلامه أقرب للقبول يوم أن يواجه بدع الشيعة وما في عقائدهم من فساد؟
انما كانت بداية مواجهته معهم هي رفض أي تقارب وأي حوار، شحن بالحق والباطل على سواء، تضييع لنقطة الخلاف الأصلية بيننا -بوصفنا سنة- وبينهم، بوصفهم شيعة، كل هذا أدّى إلى انتهاء مصداقيته، فالناس يرون جبهة شيعية تقاتل أمام اليهود، في حين آخر يدعي أن هؤلاء بأعيانهم هم متآمرون مع نفس العدو، الناس يرون قائد هذه المقاومة يضحي بابنه في الميدان في حين يقول لهم الآخر أن هذا هو فصل من المسرحية والمؤامرة المزعومة!!..بل ويريد إقناعهم بأنه أخطر من اليهود علينا، ونحن جميعا نرى حال العالم وموازين القوى وقبل كل هذا نجد في كتاب الله نصاً صريحاً بأن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا!!
والأزمة لم تكن هنا وحسب، فنفس المدارس التي سعت إلى ذلك لم تطرح مشروعاً مقاوماً بديلاً، وذات الذين دعوا إلى نبذ هذا الحزب بسبب مذهبه، والدولة التي دعمته بسبب مذهبها، لم يدعوا إلى الجهاد بنفس هذه القوة والإلحاح، بل ربما دعى بعض المحسوبين عليهم إلى القعود بمبررات واهية لم تقم لا أمام المنطق والعقل ولا أمام الفطرة الانسانية السليمة ولا أمام التدقيق العلمي الذي جاء في صورة ردود وايضاحات من كبار علماء السنة، ومنهم وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي..
ثم اكتملت الصورة بعد أن تماهى الاتجاهين ولو في الظاهر، فالسلطة التي تحكم البلاد بغير شرع الله، وتفرّط في الحقوق والثوابت، صارت تردد ما يقوله أصحاب بعض هذه المدارس عن الشيعة وخبثهم وولائهم للفرس وحنينهم لمجد المجوس، إلى آخر ذلك مما يتجاوز المنطق وما يتجاوز الواقع الذي يراه الناس، رغم عدم رضاء النظام عن هذه المدارس الفكرية، ورغم أنني لا أدّعي تآمره معهم، انما هو تضارب المصالح العادي، لكننا نعلم في مصر، أن تماهي الحكومة اليوم مع أي أحد كفيل بضرب مصداقية هذا الطرف!!
وهكذا صارت الصورة بئيسة لأهل السنة، فهو مذهب التسليم والاستسلام، والحكومات المفرّطة في كل ثوابت الأمة وحتى في مصالح شعبها، ظهرت هذه الحكومات مرتبطة -ارتباطا حقيقياً أو متوهماً- بتلك التيارات التي صبّت غضبها على حزب الله، وجبنت أيضا عن اتخاذ موقف واحد مشرّف لدعم أي مقاومة سنية في فلسطين أو العراق، بل وتآمرت على تركيع المقاومة في فلسطين جهارا نهارا، في حين فعلتها إيران، وأصبحت ثمار مقاومة الشيعة للشيعة ومقاومة السنة -أيضاً- للشيعة، بل وأكثر من هذا أن ذهب أهل السنة (بزعمهم) من أنصار الدحلان يرمون حماس بالتشيُّع، كما رميت الجهاد أيضاً من قبل بالتشيُّع، حتى صار المعلن كأن الجهاد هو عقيدة شيعية لا يؤمن بها السنة!..وكأن الكرامة هي بدعة شيعية يأباها أهل السنة!!
زاد من هذا التشويه ظهور أصوات كرّست جل وقتها للدعوة إلى السمع والطاعة للحاكم على حاله الذي نراه، وكما كان متوقعاً، فهذه الدعوة لم تبذل لحماس مثلا يوم أن صارت حاكماً على الفلسطينيين في مشروع دولة لم يكتمل، انما تبذل بالضرورة لذلك الآخر المفرّط والمتماهي مع الصهاينة والأمريكان والذي يأبى بيعته أي مسلم حق!..وأكثر من هذا أن تسعى هذه الأصوات إلى طمر كل اجتهادات العلماء من سلفنا الصالح في مسألة الخلافة ومسألة الخروج، مدّعين أن قولهم هو من (أصول اعتقاد أهل السنة)!..هذه الأصوات (الجاميّة) حظيت هذه المرة بالدعم المباشر والمعلن من حكومات دولها، في حين نسبت نفسها إلى السلف باعتبارها تمثل منهج السنة في أصله، وماهي -في حقيقتها- إلا بعث جديد لبدعة الارجاء!!
تأتي من بعد رتوش أخرى، تزيد من سواد الصفحة، ومن إظلام الأفق، ففتاوى مثيرة للسخرية تهدر هيبة العلماء، ومطاردة وقمع لأصوات كل عالم لا يسير على هوى النظام في قوله حتى لا يكاد يعرف بقدره أو بمواقفه أحد، ولا يلتف حوله الناس بل ولا يقدرون قدر عالم أو يحترمون جهد عامل..فمن أين لهم بأن يعرفوا قيمة أحد ماداموا لا يسمعون إلا ما يراد لهم أن يسمعوا؟!
بعد هذه الصورة القاتمة التي مثل فيها السنة من هو منهم ومن ليس منهم، وصار منهج أهل السنة أضيع من الأيتام على موائد اللئام، وتاجر باسم السنّة وشعاراتهم كل متاجر، في وسط كل هذا الجو كان بديهيا أيضا أن تقف جهة كاتحاد العلماء المسلمين ومن شابههم من علماء الأزهر الشريف والمثقفين والكتّاب الاحرار، حاولوا قدر ما حاولوه من التقريب وتهدئة الخواطر والأوضاع، في محاولة منهم لتقليل التوتر والسعي في حل المشكلات بشكل هادئ، لكن أنّى لهم ذلك إذا لم يتم اصلاح بنية المجتمع السنّي الفكرية والثقافية أولا؟!
إنني أدّعي أن خطأنا الأول، هو أننا قد توجّهنا إلى الشيعة بدعوة التقريب قبل أن نصلح البناء الفكري الداخلي أولاً، إن هذا المد الشيعي الذي حذّر منه الشيخ القرضاوي ليس في حقيقته إلا انحسار سنّي، انحسار في المنطق العلمي بين طلبة العلم السنّة، وانحسار في تطبيقنا لعقائد الاسلام من قِبَل المنتمين إلى السنّة، انحسار كان من الواجب بل والطبيعي أن يملأ فراغه الآخر، وليس هذا لأن لهم حجة دامغة بقدر ما أننا -نحن السنّة- ننحسر بسبب تقصيرنا نحن ولأننا لم نمثّل عقائدنا تمثيلاً مشرّفاً، بل وقد نحتج بالتخرّصات أحيانا وما ليس له نصيب من الواقع في مواجهة الآخر..
———–
اقرأ أيضا موسم الهجوم على القرضاوي - عن التوقيت
