حوار مع بلوجة، وكثير مما أجهل
في كثير من الأحوال، أجد ألا ما يدعوني -حقيقة- لمتابعة مدونات قد تهتم بأمور ربما كانت محسومة بالنسبة لي تتناولها بالجدل، أو أنها قد تكون شخصية متعلقة بأفراد قد لا أعرفهم ولا أجد الكثير من المشترك بيني وبينهم..
لكن كسر القواعد قد يكون مفيدا أحيانا..هذا الحوار قد دار مع مدونة بلوجة، استغرق فترة تقارب السنة، لا لسبب سوى بعض التأخر من جانب الرجل في استكمال ما ترجمه..ملخص القضية أنه قام بترجمة حوار متخيل -من احدى كتب الفلسفة حسب وصفه- بين زوجين، اختلفا في مستقبل ابنهما، حيث رأت الام أنه لا سبيل لتعليمه الأخلاق الرفيعة إلا بإلحاقه بمدرسة دينية، في حين رأى الأب أن ذلك غير ضروري، وأن الأخلاق ليست ذات مصدر ديني في ذاتها..
الحوار في مجمله كان يناقش علاقة الأخلاق بالدين، وما إذا كان غير المتدين -بالضرورة- غير خلوق أم لا..في مداخلاتي بالطبع ناقشت من فهمي للاسلام، وفي الواقع لم أكن لأرى ما يستحق التدوين لأجله لولا أنني أكتشفت اليوم، أنه قد تكرر معي في ذلك الحوار ما حدث معي من قبل: هناك دائما سؤال: (هل هذا رأيك وحدك أم يعبر عن المجموع؟)..ودائما أكتشف أنه وإن كان رأيي فهو يطابق رأي غيري ممن يمثل تيارا أو مؤسسة أو دار افتاء!
اليوم اطلعت على تدوينة للأخت صفية الجفري، كانت عبارة عن اشارة، فقط، لمحاضرة للشيخ علي جمعة، لفت انتباهي في الدقائق الأولى منها أنني قد قلت في تعليقاتي ما يكاد أن يكون مطابقا لما قال في أول محاضرته عن علاقة الدين بالاخلاق!..حقيقة كنت لأستشهد بقوله لو أن محاضرته جاءت قبل أوانها بأسابيع، فقول الشيخ جمعة كمفت عام أراه كافيا للتدليل على أن هذا الرأي ليس قولا فرديا وانما هو حتى ما يقوله العلماء وعلى رأسهم مفتي مصر!
تعليقاتي على الجزء الثاني:
حسنا أشكر لك دعوتك لي بالاطلاع على الجزء الثاني..
الواقع أنني أرى أن سمير لم يكن موفقا في اجابته بالنسبة للجزء المتعلق باستخدام البوصلة الداخلية للمتدينين..
فسمير تناول أحكاما بعيدة عن الأخلاق أنفسها..والواقع أنني لا أنتظر حوارا يمكن تقييمه بأنه ممتاز طالما كان تخيليا من قبل أحد الطرفين، فبالطبع، لن يجيب كاتب الحوار عن أفكار نفسه، وهو يراها بالطبع بلا رد وإلا ما تبناها..وهنا يظهر قصور العقل دائما في تأسيس الفكرة، العقل ممتاز ورائع في التعامل مع المادة وتصريف أمور الحياة بشكل جيد، لكنه قاصر دائما في فلسفة أصل الحياة، لا يعرف الصواب من الخطأ بشكل يقيني أبدا..
هناك خلط قد حصل، هل وجود الأخلاق مستقل عن وجود الدين أم لا؟
وخلط بين هذا المفهوم و: هل الأخلاق مستمدة من الدين أم لا؟
بالنسبة للاسلام، نجد حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)..فالأخلاق موجودة، أصلا، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليأمر بها ويأمر الناس باستكمال ما فاتهم منها..لأسباب أظنها ستتضح فيما هو قادم..
ويؤيد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن حاتم الطائي أنه كان يحب مكارم الأخلاق..
فهذه النقطة لا أظن أننا قد نختلف فيها كثيرا..
-هل الأخلاق استمدت من الدين؟..أم استمد الدين منها؟
حسن، هذا السؤال يسطح العلاقة بين الدين والأخلاق، بالنسبة للاسلام..
فهناك مفهوم (الفطرة) وهو ما عبر عنه سمير بالبوصلة الداخلية، وهي شئ نولد به جميعا، هذه الفطرة يراها الاسلام هي انها مما جاء لرعايته..دون حاجة لكثير من التنظير..فكل ما يتسبب به الانسان لغيره من الأذى مرفوض، كل ما يضاد القيم المطلقة (الحق والخير والجمال) مرفوض..يدرك ذلك بمجرد ولادته..
ثم يعتبر الدين نفسه قد جاء لحماية هذه المفاهيم، طالما أن الدين هو النظام الذي شرعه ذات من (خلق) هذه المفاهيم في هذا الانسان بولادته..
ضرورة الدين في الحفاظ على هذه المفاهيم تأتي مما يتقاذف الانسان من الأهواء، هذه الأهواء في كثير من الأحيان يسميها الانسان بالعقل..فالانسان حقيقة لا يدرك عندما يصغي للهوى بأنه يصغي للهوى فعلا، ولا يدرك أنه يتبنى فكرته بناء على انفعال أو هوى، أنها نتاج هوى أو انفعال أو منطق، والمنطق ليس واحدا فهناك أكثر من منطق، كذا فالعقل ليس واحدا وإنما هناك أكثر من عقل، وهذا العقل هو آداة تستخدم ما لديها من بيانات وخبرات في انتاج الجديد، قد تقصر الخبرات وقد تختلف، فتخرج النتائج غير وافية..
مع كل هذا التحليق، ضاعت الفطرة أو (البوصلة) باصطلاح سمير..
وهذا أعتقد أنه واضح في قيم الغرب اليوم، أمور كثيرة قد تغيرت وقيم كثيرة قد تغيرت بالفعل..لماذا؟..لأن هذا الشئ الداخلي في الواقع يحتاج إلى حمايته وفق مفاهيم قد تم استخراجها وتأسيسها بشكل واضح بعيدا عن أهواء البشر (المسماة بالعقل) فجاءت من قبل من أسس هذه الفطرة أساسا..
قد يختلف تفسير النص الديني بشكل عام..
لكن ليس في نطاق ما هو أخلاقي وماهو غير أخلاقي، انما يختلف في تشريعات أخرى تتعلق ربما بالتعبد وطريقته أو بعض الأحكام والتي هي أعقد من مستوى الأخلاق، المعروفة للجميع بداهة، أو منسية لدى من اعتمد الهوى العقلي فيها..
للمزيد من الأفكار ربما تكن نافعة في هذا السياق أقترح عليك قراءة مقال الشاعر تميم البرغوثي
أجابني صاحب المدونة بشكل متوازن أهتم من ذلك الرد وفق ما اهتممت بالحديث عنه هنا في المدونة بسؤاله عن قناعة (غالبية الناس) بما أقول، فكان تعليقي الثاني (والحوار بسياقه الكامل في مدونته):
جيد..:)
أولا: أنا بالطبع لست من أصحاب دعوى الحياد
أنا أعتبر أن الانسان نتاج وسط يعيش فيه وهو يتكلم دائما بلسان انسان ينتمي -لزوما- لوسط ما ولا يمكنه أن يكون محايدا، في النهاية يجب أن يعتمد محددات لأي حكم، وهذا يعد في حد ذاته انحيازا، وهو لا يعيب أحد ما دام الجميع متساو فيه..
لكنني بدلا من ذلك أحاول تحري الموضوعية، وهي تختلف عن الحياد بأن انحيازي سوف يكون -بقدر ما أستطيع- مبررا وواضح الأسباب ![]()
ثانيا: بالطبع أنا لم أدع أفضلية النظام الأخلاقي الشرقي وأعتبر أن مخالفة النظام الغربي له هو مخالفة الفطرة..الواقع أن حتى النظام الاخلاقي الشرقي الحالي ينطبق عليه -ولو بدرجة أقل في رأيي لأسباب يطول شرحها- نفس ما ينطبق على النظام الغربي..
لكنني ضربت مثلا بالنظام الأخلاقي الغربي على نقطة واحدة: هي امكانية تغير المنظومة القيمية وفق الأهواء البشرية، فما كان (غير أخلاقي) في الغرب منذ مئة سنة قد أصبح أمرا شخصيا في أسوأ الظروف اليوم..هذا ما كنت أود توضيحه وضربت مثلا بالغرب لوضوح هذا الأمر فيه..
في خلال المئة سنة الماضية تغيرت العديد من القيم الغربية بوضوح، كذلك بالنسبة للقيم الشرقية بدرجة أقل، واستشهدت بالغرب لوضوح هذا الأمر فيه إذ أصبح مفتوحا لغياب أي مرجعية حامية تطرح نفسها بقوة هناك..
ملاءمة المجتمعات هي قيمة وهمية يبتكرها العقل، ففي الحقيقة أن ملاءمة المجتمع هو أمر يحتاج للتدليل عليه وليس قيمة يمكن الاعتماد عليها في اثبات مناسبة أمر ما من عدمه، فلو كانت كل قيمة أخلاقية موجودة في الغرب -أو الشرق- ملائمة لمجتمعاتها كان ادعاؤنا بأن منظومات القيم في الشرق والغرب خالية تماما من المشاكل والعيوب..وهذا أمر أدعي أنه غير صحيح ويطول نقاشه..
وبالفعل، يميل الانسان إلى قيم غيره بالمعايشة والاحتكاك وبعض التجارب، وهذا كله من عوامل إضاعة البوصلة التي اتفقنا أولا على كونها أساس الاخلاق..نعم يمكن أن تنتقل لك المنظومة الغربية بالمعايشة لكن هذا لن يعني أنها صواب وإنما هو يثبت ما قلته مسبقا بأن القيمة الاخلاقية المطلقة المتعلقة بقيم الحق والعدل والجمال، قد تشوه أو تخضع للتأثير في مخيلة الانسان، ولذا تحتاج لثابت يحميها خارج تخيلات الانسان ومشاكل العقل البشري من حيث امكانية التأثير عليه..
بالعودة لموضوع ارتباط الدين بالاخلاق فأنا لا أستطيع الحكم على فهم غالبية الناس، ربما يخلط الناس بين المفهومين، وهو خلط وارد كنتيجة لاتفاقنا جميعا (ولو نظريا) على أن الالتزام بالأخلاق هو من شعائر الدين..فإذا قلنا أن الالتزام الديني هو الالتزام الاخلاقي فهذه الجملة قد تفهم على طريقتين:
طريقة أعتبرها صحيحة: أن الملتزم دينيا لا يكون كذلك فعلا مالم يكن حسن الخلق..
وطريقة أعتبرها خاطئة: أن الملتزم بشعائر ظاهرة أو حتى تعبدية كالصلاة والصوم هو من يعتبر صاحب أخلاق حسنة، وهذا غير صحيح حتى من الناحية الدينية الاسلامية، ورد في حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن امرأة كانت تصلي وتصوم، إلا أنها تؤذي جيرانها، فقال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها في النار..
وأخيرا فمن الأمثلة على قيم فاسدة جاءت لغياب سلطة الدين على نفوس الناس وهيمنة الأهواء البشرية، ففي نظري أن أوضحها بالنسبة لي: استحلال المراباة..
بالطبع أستطيع تبرير قولي عقليا..لكن لا أظن أنه يجب فعل ذلك ما دمنا لم نختلف أساسا على كون العقل ليس هو المؤسس للأخلاق ![]()
